الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011

فــي الطـــائـرة..!!





في مثل هذا التأريخ, العشرون من ديسمبر من العام الماضي شددت رحالي من بلدي, من مدينتي.. في مثل هذا اليوم,صعدت إلى الطائرة لتأخذني صوب الغرب, صوب قارة أمريكا الشمالية ,صوب أرض جديدة وبلد غريب عني تماماً -الولايات المتحدة-.. في مثل هذا التأريخ من العام الماضي , صعدت إلى الطائرة أضع حقيبتي -الحقيبة الدراسية- على ظهري وأحمل في قلبي الصغير أحلاما جمّة وآمالاً عريضة تتخللها مخاوف وشكوك لا حصر لها.. صعدت إلى الطائرة وجلست في مكاني على مقعدي قرب النافذة وكان الحماس يخدرني نوعاًما حيث أني إلى تلك اللحظات كنت هادئة ومبتسمة وأدّعي البهجة لأنني متجهة إلى أرض الأحلام بلاد العم سام.. ولبرهة, اعتقدت اني قد تغلبت على بكائي واحساسي بالخوف وتمسكت بابتسامتي المشرقة و ودعت أحبتي من أسرتي وصديقاتي عند الباب الداخلي لمطار صنعاء الدولي الذي لا يسمح لأحد بالدخول الا حاملي تصاريح الدخول الى جانب المسافرين.. كنت أعتقد أني تغلبت على الدموع وعلى الخوف ولكن, ما إن جلست على مقعدي في الطائرة فالتقطت أنفاسي وشرعت في تلاوة أدعية السفر ثم أخرجت دفتري وأمسكت بقلمي كي أكتب كلماتي, ما ان فعلت ذلك حتى انهمرت دموعي تصاحبها شهقات لم أعهدها .. وكأني أرى لأول مرة المجهول الذي أذهب إليه!! ورغم اعتيادي على السفر إلا أن هذه المرة أحسست أني أودع كل شيء.. كل ما عهدته هناك حتى نفسي.. أحسست أن حياتي تُنتزع مني وأني لن أعود.. أحسست كما لو كنت غارقة بحزني حتى أذناي فلم املك سوى الكتابة أخفف بها عن حزني وأطبطب بها على نفسي أحدثها,أخفف عنها وأحاورها من خلال الحروف.. رحت أكتب على دفتر ملاحظاتي هذه الكلمات :
.
.
.
على متن طائرة الخطوط الجوية اليمنية
أجواء صنعاء
الإثنين-- الواحـدة بعد منتصف الليل

إني راحلة يا وطني, إني راحلة فيا ترى هل ستفتقدني؟ أم هل ستشتاق إليّ وإلى شقاواتي وابتساماتي؟هل ياترى ستفتقدني وتفتقد عنادي وهفواتي؟.. هل ستفتقد سذاجات وبراءات أفعالي؟ هل ستفتقد حواراتي معك, ضحكاتي وبكائي وكذا أسئلتي التي لا تنتهي؟؟..
أكتب كلماتي هذه وانا أجلس داخل طائرة الخطوط الجوية اليمنية وكأنني أريد أن تأخذني طائرة بلدي إلى وجهتي المنشودة او أقلها إلى منتصف الطريق لرحلتي الطويلة !! وكأنه تعبير بسيط لوفائي وحبي لهذه الأرض -اليمن- بأن أستقل وسيلة نقل تحمل اسمها (طيران اليمنية) وأنا أغادرها الى أمريكا -أرض الأحلام


هآنذا أودع المدينة التي نشأت فيها وعشت فيها وضحكت فيها وبكيت فيها وتعلمت فيها واكتسبت منها وكتبت كلماتي على نبضاتها.. هآنذا أودع مدينة احتضنت مرحلة من سنوات عمري .. مدينة جئتها وهي مغبرة وأغادرها وهي منوّرة وبهيّة ومعمّرة .. مدينة مشيت على طرقاتها وهمست لها بأسراري و أحلامي ونثرت عطر خواطري في كل ركن من اركانها .. هآنذا أودع مدينة أخذت مني كما أخذت منها وساهمت بدورها في تشكيل شخصيتي، فرسمت على لوحاتها الوجدانية أحلامي الكبيرة والصغيرة العامة وكذا الشخصية.. مدينة ساهمت في نضجي العقلي والفكري والروحي والسياسي وكذا العاطفي.. مدينة شهدت على أول تنهيدة حب عرفتها وراقبتني عن كثب وأنا أقع في الحب لأول مرة و أعرف معنى الغرام.. حين جربت -بدوري- ذاك النوع من الإعجاب، ذاك النوع المختلف من الشوق.. هآنذا أترك خلفي كل هذا وذاك .. هآنذا أرحل عن كل شيء عهدته في حياتي حلوا كان أم مراً، جميلا كان أم قبيحاً.. هاهي الأشياء تتحول إلى ذكرى بعد أن كانت حاضرا أعيشه !

هآنذا أترك خلفي بقية من عائلتي، وأقربائي وأهلي، جيراني ومحيطي كله، منزلنا الذي عشنا فيه وعدنا اليه كلما رحلنا، منذ أكثر من عشرة أعوام حتى اشتد عودنا.. المسجد الذي كبرت وانا أصلي فيه مسجد الحارة الذى نشأنا ونحن نسمع أصوات التكبير فى كل عيد والآذان فى كل يوم خمس مرات عبر مأذنته الجميلة.. رفيقات دربي من قريبات وزميلات المدرسة.. جامعتي، أساتذتي وقدوتي، زملائي وزميلاتي في كلية التجارة والعلوم السياسية / جامعة صنعاء.. أخواتي في الله وصديقاتي في الحياة

هآنذا أترك خلفي كل شيء عهدته .. كل شيء عهدته هنا وحتى كتبي الغالية على قلبي.. الكثير من كتبي ودفاتر ملاحظاتي التي اجبرت على تركها .. وكأني أجبرت على التخلي عن كل شيء عهدته ورائي ..وكأني أجبرت على التخلي عن جزء من نفسي هنا

هآنذا أودع مدينة عشقتها وارتبطت بها لسنوات عديدة حملت فيها ذكريات بألوان قوس قزح .. هآنذا أودع صنعاء العصماء وقد نامت ونام معظم قاطنيها.. هآنذا أرتفع في الجو وقد حلق القبطان بطائرته في الجو أكثر فأكثر بينما يحيينا هو وزميله الآخر ومضيفة ما تتحدث برقة انثوية وتعطينا تفاصيل الرحلة بثلاث لغات في دقائق معدودة.. وتخبرنا عن الزمن المتوقع للوصول الى القاهرة للتزود بالوقود ومن ثم التوجه إلى باريس محطة الترانزيت و..و..و..الخ وغيرها من تفاصيل لا ألقي لها بالاً... هانذا أرتفع في الجو وأنظر من النافذة لألقي نظرة وداع على مدينتي النائمة .... أنظر إليها وكأنني لم أودعها من قبل، وكأنني لم أسافر منها من قبل، يكتنفني حزن عميق يحمل جرحا غائرا.. وكأنني مجبرة على الرحيل هذه المرة هكذا أحسست .. فلتت مني دمعة خيّل الي انها دمعة قهر رمادية مالحة.. عجبى، ومنذ متى كانت الدموع رمادية اللون إنها تحمل لون الماء والماء لا لون له !! .. هآنذا أستمر في كتابتي بينما الطائرة ترتفع في الجو اكثر فأكثر وتتغلغل في الضباب وأجدني ألتفت -لا إرادياً- إلى نافذة مقعدي مجدداً
يا إلهي،, هاهي مدينتي تكاد تختفي عن الأنظار وتختفي أنوارها وتتحول إلى خريطة جغرافة بعيدة لا ملامح لها.. يا إلهي،، هآنذا أودع مدينتي ومعها جزء من سيرتي وذكرياتي لأبدأ سيرة جديدة وذكريات أخرى مع وجوه أخرى جديدة في مكان ما من كرتنا الأرضية.. هآنذا ألقي النظرة الأخيرة على بهائها وأجوائها و أنوارها وكل أحبتي فيها .. وداعاً يا صنعاء 


وداعاً يا مدينة ضمتني واحتوتني بحنانها رغم قبح نظامها الحاكم وقسوة أهلها.. وداعا يا صنعاء، وداعاً يا مدينة رافقتني في رحلة حياتي على أرضها هناك بحلوها ومرها.. وداعاً يا صنعاء, وداعاً يا مدينة أخذت منها وأخذت مني،، وداعا يا مدينة جئتها وأنا أبكي ولا أعرفك  ولا ارغب بمعرفتكِ ولا أريدك.. والآن أغادرك وأنا أبكي ولكن هذه المرة أبكي لأني حزينة لفراقك.. حزينة لمغادرتك والرحيل الى المجهول.. وداعاً يا مدينة عشقتها دوماً وسأظل عاشقة إياها إلى الأبد.. وداعاً يا مدينة أشتاقها منذ الآن.. وداعا أيتها العزيزة الغالية على فؤادي.. أعاهدك ألا انساك أبدا ما حييت - وهل ينسى المرؤ نبضه-، أعاهدك أن أبقى على الوفاء أيتها البهيّة الغنية ورجائي أن يتجدد لقائي بك فكما قال أديبنا الكبير/دكتور عبدالعزيزالمقالح: (لابد من صنعاء وإن طال السفــر).. .

هناك تعليقان (2):

  1. ادمعت عني وانا اقرأ لاني تذكرت ذاك اليوم حين تركت احبتى ..
    في المره مسكت انفاسي وكنت اودعهم فردا فردا بدون عبارات لان كنت ادمع من الداخل وحين صافحت يدي يداهم للوداع لم استطع ان التفت إلى خلفي كأن سورا ضرب بيني وبينهم واخذت راحتى بالبكاء ,
    ولكن المره التانيه صارحتهم بمشاعري حتى بكى الجميع ولم نستطع الوداع .
    اللهم لم شمل الاحبه اللهم اميين

    ردحذف
  2. اللّهـــم آميـــن..

    أمخي, سرّني رؤية مشاركاتك في صفحتي فمشكــور مرتين, الأولى لحلولك ضيفا على عالمي وقراءتك لكتاباتي سواء هذه الذكرى التي دوّنتها او غيرها من الخواطر وثانيا لمشاركتك إياي قصتك بخصوص وداع الأحبة... دمت لي أخاً عزيزا في الله ودام لك جميع أحبتك.

    ردحذف