الأربعاء، 27 يوليو 2011

على خُطى الأجداد





في غربتي هنا متمثلة ببيئتي الجديدة، صارت للكلمات صدى مختلف فإلى جانب بهائها ورونقها المعتادين أجد فيها معاني أكثر عمقاً وأشد قربا حتى لكأنها تلمس وجداني وتؤنسني أكثر من ذي قبل

غريبة وطريفة وجميلة هي أقدارنا، فبالأمس القريب كنت في وطني -اليمن- أعيش في عاصمة بلادي -صنعاء- تلك المدينة التي احتضنتني واستقبلتني بذراعين مفتوحتين واحتوتني حتى صلب عودي.. تلك المدينة العتيقة التي راقبتني عن كثب.. تلك المدينة التي أضحكتني بقدر ما أبكتني وشاركتني لحظات حياتي باختلاف ألوانها.. واليوم، اليوم بل منذ أشهر قليلة أجد نفسي أقيم في أقصى شمال القارة الأمريكية ..في بلاد العـــم ســام !!!

غربة لم أعهدها

غربة جميلة بكل ما تخبؤها من مفاجآت .. غربة تمتزج حلوها بمرها , غربة تصيبني بحمى حنين شديد إلى وطني في كل حين رغم أني تمنيت ترك وطني منذ زمن , منذ وعيت أني سجينة هناك , سجينة دون سياج .. مذ وعيت أن التقاليد البالية الظالمة أقوى مفعولا من الدين السمح وقد أُدفَن حيّة رويدا رويدا.

هآنذا في غربة طالما صليت من أجلها وتمنيت حدوثها حين كنت على أرضي .. و رغم إني أعلنت عبر قلمي رغبتي في الرحيل وتوقي إلى الإغتراب إلا أني في أوقات كثيرة أجد ذاتي أفتقد أشيائي المعهودة, وهل هناك عاقل يفتقد الصراع أم هناك لبيب يشتاق عدوه الذي كان يجرده الإنتماء والولاء وحتى البراء!!

أقف برهة لأنظر حولي وأتأمل حياتي منذ ولدت وحتى يومنا هذا... فإذا بها لم تطل البقاء في رقعة جغرافية معينة قط ، فإذا بها مكتوب على جبين لوحها الهجرة مُجدداً تماما مثل أجدادها اليمانيين -الحضارم- فليس غريبا إذن ان تجد الخلاص والدواء بالإغتراب والهجرة إلى أقاصي شمال كرتنا الأرضية هذه المرّة.. كوطنٍ جديد.. ليس حبا بالهجرة في حد ذاتها انما لظروف عمل ربُّ الاسرة التى فرضت الإغتراب فى البدء ثم انتقال الأمر برمته الى ربة الاسرة حين توفى الله ذلك الأب الحنون -رحمه الله-  الآن وقد اصبحت الغربة تمثل الحاجة الى النجاة من وضع قاتل يقتل في نفسك كل شيء بدءا بالإنتماء وإنتهاءً بحرية القلم ونزاهة القضاء!!

هجرة تعيد فينا الأمل علّها تطبب شرخ النفس.. هجرة تعيد فينا الإنتماء والإحساس بالوطنية والإستمرار في حمل هم الوطن وكذا القضية..
هجرةًأساسها التوق إلى التسلح بالعلم وتحمل في ثناياها تلقي نور المعرفة.. ولا تخلو -أكيد- من الفوائد السبعة للسفر ثم العودة مجددا إلى تلك التربة الطيبة لعل وعسى أن نساهم في عجلة تنويرها وتطويرها وتوجيهها نحو الأفضل.. غربة لم أر الويلات التى يقولون عنها حتى الآن ولا أريد أن أراها!!

عجباً،
كيف ان زيارات الغُربة فى الطفولة لا تُعدّ اغتراباً طالما يترسّخ فى ذهنك انك تزور ارض الأحلام -أمريكا- لبرهة.. تقضى وقتاً ممتعاً ثم تعود أدراجك لوطنك... عجباً لكأني أسير على خطى الأجداد في هجرتهم الدائمة على مر القرون.. نعم، غربة تختلط فيها مشاعر الحماس بالخوف من المجهول، وتمتزج فيها مشاعر الإنبهار بصدمة الواقع المقابل.. غربة تتداخل فيها الكلمات والمعاني وتتشابه فيها الأشياء المختلفة ويتشابه فيها الصح والخطأ و المتباينات وحتى الوجوه... !!!



 بن زوع

مينيابوليس/ ولاية مينيسوتا الأمريكية
July 27th 2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق