
صنعـاء

كورنيش المكلا/ حضرموت
إنه أواخـر الخريف هنا في هذه المدينة الكبيرة مينيابوليس, ولاية مينيسوتا من بلاد العم سـام وهاهي أوراق الشجــر آخــذة بالتسـاقــط بعـد أن اصفر لونها وجفـت عروقها معلنة بقدوم فصل آخــر اسمه الشتاء قارس البرودة له نسيــم كالزمهرير, لسعاته كسوط فارسي على جلدي الرقيق و عظامي الهشّة التي لم تعهــد بيئــة ثلجيّــة قـط.. إنه أواخــر الخـريف هنا وأجدني أصاب بمرض جسدي ومعنوي معـاً.. ضعفُ وجداني وغربــة على غربتي .. أشعـر بحنيــن صوب وطني, بل لنقل بحنـين تجــاه كل ماهو عربي وإسلامي وشرقي.. أعترف أن الذي يعيش في البلاد العربية والإسـلامية المترامية الأطراف ليس بغريب البتة!! أراه لا يشعر بالغربة البتة مهما اعتقد ذلك ومهما بدا ذلك ولأن الغربة إحساس وهذا الإحساس درجات ومراحل فيّ لهفــة وشوق غامر لعالمنا الشرقي..لعالمنـا العربيّ ، والإسلامي وأمتنـا الوسط , لمنطقتنـا الجغرافيــة الدافئـة رغم برودة أجوائها حيناً والحنـونة رغـم قساوتها الظاهرة في كثير من الأحيان !..
أحس غربتي وكأنها سجــن يحبسني ويخنقني.. ينتابني حنين صوب بلدي -اليمن- من جنوبه حتى شماله , ومن شرقه حتى غـربه,, شوق لا يوصف , شوق يتجاوز الكلمات.. ينتابني حنين نحو مدينتي التي رحلت عنها منذ عشرة أشهر , مدينتي ومعشوقتي صنعـاء, عاصمة بلادي.. هواؤها ,ماؤها , زحمة شوارعها الضيقة وأحيائها السكنيـة القديمـة والجديدة .. حنـين جارف لترابها، لطقسها الجميل، لعبق تاريخها، لناسها وأهلها .. لجبالها , لأكسوجينها الشحيح , لغبارها , لحرارة صيفها الخفيـف المعتـدل -مقارنة بعـدن- وحتى لمخلفاتها الملقية على الطرقات.. حنيـن جارف لمساجد مدينتي وجوامعها, لمدارسها ومعاهدها وحتى جامعاتها.. لأحياءها الكبيرةوكذا الضيقة.. لمطاعمهاالراقية وكذا الشعبية.. لحدائقهاالخضراءالبسيطةوقهاويها الجميلة.. لشوارعها الرئيسية وحتى الفرعية..
حنين لرؤية مآذن مدينتي الشاهقة .. حنين حين يعلو الآذان كافة الأرجاء.. حنين جارف للأماكن التي عرفتها وعرفتني .. للأماكن التي اعتدت الذهاب إليها أو زيارتها او المرور بها أو حتى التوقف عندها.. حنين لا يقاوم للبيئة التي سكنتها وسكنتني وعهدتها وعهدتني.. حنين لطرقات مدينتي المزدحمة وجسورها المتعاقبة والمتباينة.. لأسواقها الكبيرة والصغيرة ومكتباتها العريقة والحديثة،،حنين لوسائل النقل البسيطة جدا والقـديمــة.. حنين يغمرني وشوق يشدني نحو تلك الوجوه الطيبة التي أحببتها في الله واعتدت لقاءها ورؤيتها بين حين وحين.. حنين للشارع المؤدي إلى بيتنا في هائل وبيوت الجيران حولنا..حنين إلى جامع أحمد ناصر وحلاوة آذانه الذي يلامس أوتار القلوب ويسكن عمق الأرواح.. حنين للأمسيات الثقافية والأدبية والسياسية.. حنين لأيام المدرسة ولياليها ورفيقات تلك الأيام.. حنين لذكرياتي داخل حرم كليتي الموقرة"كليـةالتجـارة والإقتصـاد/جامعة صنعاء" وبين أروقتها.. مع أساتذتي الأفاضل وزملائي وزميلاتي رفقاء درب العلم والنور الذين تركتهم هناك فتركت نصف فؤادي معهم.. حنين لكل شيء فيها أولها لغتي لغة الضاد التي اعتدت سماعها أينما حللت وأينما نظرت او اتجهت!!
افتقاد وحنين إلى شواطئ عدن وأحياءها السكنية سواء ذات الطابع الإستعماري المنظم المعمار الذي يغلب عليه اللون اللأبيض-النورة- أو ذات الطابع الوحدوي الذي يحمل جماليات القمرية..أفتقد كريتر والمعلا وخورمكسر والتواهي والشيخ عثمان ومنزل أقاربنا في المنصورة.. أفتقد زيارة الأقارب في المكلا / عروس حضرموت والتمشـي على شاطئها، شاطئ فوّه والمرور الدائم بكورنيش المكلا.. أفتقد السفر إلى الأهل والتواجد في وادي حضرموت عن قـرب.. أفتقـد ذكــرياتي تلك، النزول من مطــار سيؤون ومن ثم التوجــه الى القطن ، والمرور على قصر السلطان الكثيري السياحي التاريخي "قصر سيؤون " -وتأمل معالمه الجميلة الخلابة والحضارية العريقة والتاريخية - ونحن في طريقنا إلى أرض الأصل ومسقـط الإنتماء "مديرية القطـن" لننعم برؤية وزيارة الأهل والأقارب في أرض الجـدود، أفتقـد التأمل والوقوف عند رؤية بيت الجد الكبير وباقي بيوت أفراد الشجـرة العائلية العريقة، أفتقد حصون مديريتنا:حصن آل الزوع،حصن آل حمضان، حصن آل شريشر و باقي الحصون الأخرى.. ذكريات جميلة دافئة تشعرني بالإنتماء، بالفخـر وتغمرني بالسعادة والأسى معاً حين أتذكرها
غريب حالي، متناقض أمري، مابالي؟ ألم أكن تلك الفتاة التي لطالما تمنت الإغتراب وحلمت بالهجـرة و بالمجيءإلى هنا،إلى الغرب.. ألم أحلم بطلب العلم والعيش في ديار أبناء العم حام؟ مابالي إذن أنهار من أعماقي ويشدني الشوق إلى بيئتي المعهودة وتنتابني رغبة بالفرار من بيئة لطالما تغنيت أنها المنى والمنال؟، ماذا دهاني ياتُرى بعد أن تحقـق الحلم وقادتني أقداري وأتيت ؟..ماذا دهاني ياتُرى؟؟ ، لم هذا التغني بالأطـلال والتمسك بالماضي والفرار من الواقع؟؟ لم الإستسلام لنهر الحنين الجارف.. لم الرغبـة بالرحيل بعد تحقق حلم الأمـس؟؟ أهـروب هو أم نتيجـةالإختلاف البيئي والإجتماعي والثقافي ولّد صـدمة ترافقها إحساساً بالغربة مرٌّ طعمه !!..إنهاصدمةالإختلاف ومعاناة التأقلم عجب ان أمر بها .. هه ولماذا العجب؟ فكل وافد جديد -لاشك- يمر بها وأنا في نهايةالأمر إنسان ينتمي لفئة الوافدين الجـدد.
Minneapolis -MN
Nov. 3rd 2011
لم ادرك حتى الساعة ان هناك كتاب بهذه القدرة من المهارة الكتابية وعرضهم لموضوع معين , وحين قرات ما تحتويه هذه الصفحة ادركت ان هناك انساا مغمورين لا يعرفهم الا من تابعهم عن كثب, وانت واحدة منهم اختي صباح .. اتمنى لك التوفيق..
ردحذفحياك الله أخي حبيب,,,
ردحذفحياك الله وأبقاك.. أهـــلا بك أولا,بعدها دعني أشكرك ... جزاكم الله خيرا على الإطراءالرائع الذي أسعدني -لا شك- والذي أتمنى ان أستحقه
عزيزتي صباح يا بنت بلادي
ردحذفتأكدي ان بلدك العتيقة هي ايضا تحن اليك حنين الام وتشتاق اليك شوق العصفورة الام التي تطلق لفرخها الصغير العنان كي يحلق في الآفاق الرحبة وهو ما يزال غضا ضعيفا لا يتحمل تيارات الهواء والرياح الباردة خارج العش الدافئ لا لشيء سوى من اجل ان يعود اليها وقد اشتد عوده و زادت قواه وغدا قادرا على مواجهة الحياة القاسية بكل شجاعة رغم مرارة التجربة وبعد المبتغى
فأنعمي يا عزيزتي بدفء امنا اليمن وصدقيني انك كلما تذكرت تلك الجنبات الغالية ستهب عليك نسيمات الوطن الدافئة حتى في زمهرير الغرب القارس
فلك مني ومن الاحبة في حضرموت كل الامنيات الحقيقية بالتوفيق
اختك الحضرمية / بديعة عوض
عزيزتي صباح يا بنت بلادي
ردحذفتأكدي ان بلدك العتيقة هي ايضا تحن اليك حنين الام وتشتاق اليك شوق العصفورة الام التي تطلق لفرخها الصغير العنان كي يحلق في الآفاق الرحبة وهو ما يزال غضا ضعيفا لا يتحمل تيارات الهواء والرياح الباردة خارج العش الدافئ لا لشيء سوى من اجل ان يعود اليها وقد اشتد عوده و زادت قواه وغدا قادرا على مواجهة الحياة القاسية بكل شجاعة رغم مرارة التجربة وبعد المبتغى
فأنعمي يا عزيزتي بدفء امنا اليمن وصدقيني انك كلما تذكرت تلك الجنبات الغالية ستهب عليك نسيمات الوطن الدافئة حتى في زمهرير الغرب القارس
فلك مني ومن الاحبة في حضرموت كل الامنيات الحقيقية بالتوفيق
اختك الحضرمية / بديعة عوض
صراحة شاطرتك المعاناة رغم تواجدي في مدينة سام ورغم تواجدك في بلد العم حام تصوير اكثر من رائع للمعاناة والله يردك لنا سالمه غانمه مسلحه بالعلم والمعرفة ولابد من مجيء الربيع للنعم بهواءة ينسينا برد الخريف ... موفقة اختي صباح
ردحذف